إقتصاد

“شركات أميركيّة” تبدأ بحصار لبنان

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

في وقتٍ ينشغل الساسة اللبنانيون بصياغة “بيان” عودة حكومة الرئيس سعد الحريري إلى الانتظام لتزيل تراكمات مرحلة 4 تشرين الأوّل الفائت، تَجد “واشنطن” وقتاً لكيل عبارات الحرص على الوضع اللبناني، ثمَّ تتسلّل من بين الثغرات، نماذج “غير محمودة” تؤسس لـ”خربطة مشؤومة” تطبع الوضع الاقتصادي الداخلي بسلوك مضطرب تسعى الولايات المتحدة إلى تعميمه وفقَ أشكالٍ متعدّدة.

حين تقول لجنة العلاقات الخارجية في “الكونغرس” الأميركي أنّها عمّمت “بنوداً إجرائية” لمعاقبة حزب الله بسياسات ماليّة لنّ تطال أو تتسبّب بأضرار في الاقتصاد اللبناني فهي تكذب، لأنَّ ما سيتقدّم يُثبت أنَّ السلوك الجاري اتباعهُ لا يخدم الاقتصاد اللبناني أبداً ولا حتى الغاية من فرض عقوبات “ماليّة” على حزب الله، بل يتسبّب بأذيّة واضحة لعموم البلاد.

إذ أنّ سياسات “واشنطن” التي لا يُمكن وصفها بغير “العشوائيّة”، تخدم مبدأ “التأزيم” الذي بدأته السعوديّة حين اختارت “تفجير الوضع” اللبناني، وهذا التفجير مستمر وإنّ بأوجه متعددة، ولا يؤذي سوى الاقتصاد نفسه التي تدعي “واشنطن” الحرص عليه!

باختصار، تُمارس وزارة الخزانة الأميركية سياسة “الوشاية” بحق “شركات لبنانية” وقع عليها الاختيار عشوائياً.

وجاءت معاقبة تلك الشركات لسبب أساسي، هو غياب التوصيف الواضح لما يسمى يـ”الاستهدافات” في قانون “الكونغرس” ذات الاسم “أتش آر – 3229”.. فماذا يجرى من خلف الكواليس؟

قبل فترة قصيرة من الآن، اُبلغت شركة لبنانية تؤمّن خدمات الكترونية لصالح عملاء محليون (متاجر الكترونيّة، مواقع، تطبيقات..) من قبل مزوّ د أميركي، أنّ الخدمات التي توفّر لها، وهي عبارة عن “استضافات” الكترونية على خوادم، ستتوقف لأنّه لم يعد بمقدور الشركة الأميركية التعامل مع نظرتها اللبنانية.

الخبر “الصاعقة” الذي وردَ على شكل رسالة نصيّة عبر البريد الالكتروني مذيلةً بمهلة 24 ساعة للفراغ من الاجراءات التي تكفل إنهاء الشراكة، شكّل صدمة للشركة التي ردّت على البريد بآخر تستفسر عبره عن الاسباب التي اوجبت القرار “الغير قابل للاستئناف”، علماً أنّها تقوم بصرف المبالغ المالية المتوجبة عليها بشكل منتظم.

فكان ردّ الشركة أنَّ “المشكلة ليست مالية، بل تعود لاشارة وردت من وزارة الخزانة الاميركية عقب صدور التحديثات على قانون عقوبات مرتبط بلبنان (لم تكشف ماهية الاشارة). ولأن الشركة ملتزمة القانون الاميركي، فضّلت وقف التعامل مع الشركات اللبنانية كافة، موحيةً بأن الموضوع “غير شخصي”.

وتأسيساً على ذلك، لم تجد الشركة المحليّة امكانيّة لمناقشة القرار فرضخت وطلبت مهلة اضافية من أجل البحث عن بديل لا يعرقل استمراريّة عملها ثم نقل البيانات إلى الخوادم الجديدة.. ولم تجد ملاذاً إلّا في “اوروبا” حيث الخوادم أقل جودة.

الذي كان محط استغراب الشركة المحليّة، أنّها غير مرتبطة بأيّة أعمال تخص شركات ذات ارتباطات سياسيّة أو تحمل هويّات سياسيّة، حتى أنَّ مقرها موجود في منطقة بعيدة عن معاقل حزب الله المفترضة.

وبينما سادَ الاعتقاد لفترة حول امكانيّة أنّ يكون الأمر محصوراً بشركة واحدة، تبيّن أنَّ مواقع الكترونية محلية (من بينها اخبارية)، تلقت نفس الرسالة تقريباً لكن بمضمون مختلف، ما يعني أنَّ هناك سياسة ظالمة متّبعة بحق كيانات لبنانية وزبائن لبنانيين.

ومع توقّع انضمام شركات أميركية جديدة إلى القائمة العقابيّة، ثمّةَ خشية من إتّساع رقعة المستهدفين اللبنانيين، وبالتالي بدء تعاظم المشكلة أكثر فأكثر.

فمثلاً، ارسلت شركة “sucuri” الأميركية التي تتعاطى تأمين خدمات الحماية للمواقع الالكترونية قبل نحو الشهر تقريباً، وابلاً من الرسائل إلى مجموعة لا بأس بها من الزبائن اللبنانيين، تعلمهم أنّها بصدد وقف التعامل معهم، والسبب هو عينه، “إشارة من وزارة الخزانة الاميركيّة ترتبط بقانون صدر حول لبنان يحمل الرقم كذا..”.

واللافت كان وسم الشركة للبنان على أنّه ضمن “اللائحة المحظورة” black list، وبالتالي يُمنع التعامل معه.

المسار نفسه سلكته شركة “entropay” قبل مدة ايضاً، والمتخصصة بتقديم خدمات ماليّة على شكل “بطاقات ائتمانيّة افتراضيّة تُستخدم في عمليات الشراء الالكترونيّة وتتم تعبئتها من خلال بطاقة الزبون الائتمانية البنكيّة لقاء عمولة قليلة”.

إذ اوقفت حسابات زبائنها اللبنانيين دون أي إشارة توضيحيّة. وبعد مراجعة بعضهم لها عبر البريد الالكتروني، أفادت أنّه و “نظراً لصدور قانون عقوبات ماليّة على لبنان، فأنّها تجد من الافضل في الوقت الحاضر وقف التعاملات الماليّة مع الشركات أو الافراد اللبنانيين حتى جلاء الاسباب” ثم وسمت لبنان في القائمة المحظورة!

ولا يبدو غريباً توصيف الشركات الأميركية لقانون العقوبات وجعله يستهدف لبنان برمته لا جهة لبنانية محدّدة فقط، كون الالتباس موجود في القانون ذاته، وبطبيعة تعاطي السلطات الاميركية مع الشركات في بلادها.

من الواضع أنَّ الجهات الرسمية الأميركيّة على علم بما يحدث إنّ لم نقل متورّطة بارساء هذا الجو استناداً على الحجج التي قدّمتها الشركات نفسها، أي “إشارة وزارة الخزينة الاميركيّة”.

ومن غير الغريب، أنّ لا تقوم الادارة الأميركيّة باستغلال القانون من أجل ارساء مزيداً من الضغط على الاقتصاد اللبناني بغية جرّه إلى انتهاج سياسات تضيقيّة على حزب الله أو جرّ الدولة لتشريع وتنفيذ خطوات صارمة، تخدم طبيعة التوجهات الأميركيّة وتزيد من منسوب الاحتقان بين الشركات من جهة والحزب المستهدف من جهة أخرى.

ولكون الشركات تخضع للقانون الأميركي، يسود ظن أنَّ واشنطن لها مصلحة بـ”هز العصا للبنان” من خلال إرساء وسائل ضغط من هذا القبيل تكون ادوات ذات وظيفة ابتزازية نافعة. يبقى أن تتحرّك الجهات الرسمية لاحاطت الموضوع بشيء من الحماية كون المستهدفين أشخاص عاديين لا أسباب سياسيّة خلف التضييق على أعمالهم.

مواضيع مرتبطة

اترك رد